#عاصفة_الحزم .. فجر عربي جديد حطم شوكة إيران

Storm packets Saudi Egyptian
Storm packets Saudi Egyptian

الشعب اليمني مع عاصفة الحزم

ما الحاجة إلى هبوب «العاصفة»؟

ضمن المشاهد الرئيسية التي يمكن لها أن تغير من مسار التاريخ في العالم العربي والشرق الأوسط يجىء الحديث عن «عاصفة الحزم» كمفصل هيكلي، يجعل ما قبل 26 مارس موعد انطلاق العمليات مغايرًا جملة وتفصيلًا لما بعد هذا التاريخ، ذلك أنه أفرز معطيات، وأزاح الستار عن حقائق جديدة باتت واقعًا على الأرض، ورتبت العاصفة نوعًا من الاستحقاقات المتصلة بمستقبل العالم العربي في الحال والاستقبال، وأحيت حلم الوحدة الذي كاد يذوب وسط عالم يسعى للتجمعات الإقليمية والكيانات الدولية، في حين بقى العرب فرادى قبل ذلك التاريخ.

و قبل الخوض في عمق المشهد المتصل بـ«عاصفة الحزم»، ربما يتوجب علينا تلمُس أبجديات المشهد، ولماذا صارت الأمور إلى ما آلت عليه، الأمر الذي استدعى تدخلًا «عربيًا- عربيًا» على أرض عربية يسكنها شعب عربي، ربما اختلت عجلة القيادة بين يديه، وكادت تنزلق في اتجاه مغاير وضار بمصالح العرب والعروبة.

لم تذهب دول التحالف العربي التي وجدت نوعًا من المساندة السياسية من تركيا الدولة غير العربية عطفًا على مساندة عسكرية إسلامية باكستانية، إلا تلبية لطلب رسمي من الرئيس الشرعي للبلاد عبد ربه منصور هادي، الذي استغاث بدول مجلس التعاون الخليجي لإنقاذ البلاد وردع عدوان ميليشيا الحوثي وتنظيمَى القاعدة وداعش على البلاد، وهذا يعني أن العاصفة كانت إجراءً سليمًا لا تشوبه شبهة التدخل العسكري في بلد ذي سيادة، وقد صدر بيان لدول الخليج يفصل الأزمة اليمنية وانقلاب ميليشيا الحوثي على الشرعية.. هل تسرع الرئيس هادى في طلب التدخل العسكري العربى- الخليجي- الإسلامي معًا؟

بالقطع لا، ففي رسالته أوضح “هادي” أن كل الجهود الممكنة قد بذلت لوقف هذه الاعتداءات الحوثية، التي تركت جروحًا عميقة في كل بيت يمني، وقد سعى الرجل للوصول إلى حل سلمي يمكن من خلاله إخراج اليمن من النفق المظلم الذي أدخله فيه الانقلابيون الحوثيون، لكن لقد أسمعت لو ناديت حيًا، هكذا كان لسان حال هادي، هل هناك في المواثيق الدولية ما كان يبرد «عاصفة الحزم»؟ ذلك كذلك بالفعل، استنادًا إلى مبدأ الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادة «51» من ميثاق الأمم المتحدة، واستنادًا إلى ميثاق جامعة الدول العربية، ومعاهدة الدفاع العربي المشترك، ولذلك كان تقديم المساندة الفورية بكل الوسائل والتدابير اللازمة، بما في ذلك التدخل العسكري لحماية اليمن وشعبه من العدوان الحوثي المستمر، وردع الهجوم الذي كان متوقعًا حدوثه على مدينة عدن وبقية مناطق الجنوب، أمرًا واجب الوجود.

هل تغيَّر المشهد الشرق أوسطي بعدها؟

لم يكن الهدف من العاصفة تسجيل نصر عسكري بل قطع الطريق على الأطماع الإيرانية.

المؤكد أن علامة الاستفهام الأولى التي تواجه القارئ «مَن هم الحوثيون بداية الأمر»؟

تنتمى القبائل الحوثية في شمالي اليمن إلى الطائفة الزيدية الإسلامية التي تتبع نظرية فقهية سياسية مختلفة عن تلك التي تتبعها الشيعة الإثنا عشرية، الدين الرسمي في إيران، لكنها تبجل عديدًا من الشخصيات الدينية الشيعية نفسها التي توقرها الإثنا عشرية، كما تتشارك بأوجه تقارب دينية وسياسية أخرى متعددة مع طهران، والأهم من ذلك أن الحوثيين قد تقربوا من إيران بعد عقد من القتال ضد الحكومة اليمنية المركزية والميليشيات السلفية التي تميل إلى مساندة تنظيم القاعدة.. هل سيطرة حركة الحوثي القبلية التي تدعمها إيران بالمال والسلاح على العاصمة اليمنية صنعاء جاءت مفاجئة؟ المعروف أنه في عامى 2009 و2010 خاضت المملكة العربية السعودية حربًا مؤلمة على الحدود مع الحوثيين، وقع ضحيتها 114 شخصًا من صفوفهم، ومنذ ذلك الحين، قام حلفاء الرياض التاريخيون في اليمن – كونفيدرالية قبائل «حاشد» التي تتبع المذهب الشافعي السني والمجموعات السلفية المرتبطة بها – بالخصام في ما بينهم، مما فتح المجال أمام الحوثيين لاجتياح العاصمة، وفرض مطالبهم على حكومة الرئيس هادى المعترف بها دوليًا، مما اضطر الرئيس الشرعي للبلاد إلى تقديم استقالته.

ولعل المثير في المشهد أن شوارع صنعاء التي كان يجوبها مقاتلو الحوثي كانت تُردد فيها شعارات «الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل.. اللعنة لليهود.. النصر للإسلام»، والمفارقة الكبيرة في هذا الشعار، الذى يبدو أن أفراد الحوثى لا يدركون معناه على الأرجح، أن الحوثيين يتلقون الأسلحة والدعم منذ عقود من إسرائيل، وحتى من قبل أن يحصلوا على مساعدات عسكرية من إيران، وكانت حركة الحوثيين والقبائل الموالية لهم منذ فترة طويلة أكبر المتلقين والانتهازيين الباحثين عن الدعم الدولي، وهو الأمر الذي لم يظهر إلا نادرًا، نظرًا للطبيعة المحلية للصراعات السياسية.

الأطماع الإيرانية والخنجر الحوثي

في العقود الأخيرة عملت محافظة صعدة، وهي منطقة زيدية من الناحية التاريخية تقع في شمال اليمن، على إعادة إحياء معاهدها ومؤسساتها الدينية، وبدءًا من عام 1990 برزت شخصيتان زيديتان من هذه المنطقة، هما بدر الدين الحوثي وابنه حسين زعيما حزب الحق، بصفتهما الداعيين الرئيسيين لعقيدة الحركة الدينية السياسية التى أصبح أتباعها معروفين بالحوثيين، وفى عام 1992 أسس حسين الحوثي تنظيم «الشباب المؤمن» المعروف أيضًا باسم «حركة أنصار الله» لمحاربة الحكومة.

وعلى الرغم من أن الرجلين لقيا حتفهما فإن الحركة الحوثية لا تزال تحمل بصماتها الأيديولوجية، ففي منشوراتهما وخطاباتهما والحلقات الدراسية التي عقداها أظهر بدر وحسين الحوثي تعاطفًا واضحًا تجاه الشيعة «الإثنا عشرية»، وأجندة الإمام الخميني الثورية المناهضة للولايات المتحدة.

ولا بد من الإشارة إلى أن الأمين العام الحالي لحزب الحق، حسن زيد قريب، أيضًا من «حزب الله»، وهي علاقة يمكن تفسيرها بشكل جزئي على الأقل بواقع أن إحدى زوجاته الثلاث هي امرأة لبنانية تشرف على مكتبه وتدير علاقاته الدولية، وينسب إلى حسن زيد قوله «نحن نعتقد أن الإمام الخميني كان زيديًا بحق، ومن الناحية الدينية، فإن اختلافاتنا مع حزب الله والحكومة الإيرانية طفيفة، لكننا متطابقان من الناحية السياسية».

ووفقا للمرتضى المحطوري، أحد شيوخ الزيدية، القريب من القيادات العليا في حركة الحوثية، توفر الحكومة والمرجعيات الدينية الإيرانية التدريب الديني والأدوات التعليمية لليمنيين في البلدين. ومن بين أعضاء الحكومة وهذه المرجعيات أولئك التابعون لرجلي الدين الشيعيين الرائدين آية الله على السيستاني والسيد جواد الشهرستاني في محافظة قم.

وقد تم تأكيد أيضًا العلاقة بين اليمن وإيران، في مقابلة مهمة بثتها وكالة «أنباء فارس» – وسيلة إعلام تابعة لفيلق الحرس الثورى الإسلامى الإيران – في يناير الماضي، وخلال النقاش أعلن عبد المجيد الحوثي، ابن عم بدر الدين الحوثي وزعيم «حركة أنصار الله» التي هي الآن الاسم الرسمي الشامل لحركة الحوثيين، ما يلى «يتوقع أتباع أنصار الله أن تعمل جمهورية إيران الإسلامية وغيرها من البلدان على تقديم الدعم إليهم وإلى الشعب اليمني.. إن الثورة في اليمن مُستوحاة من الثورة الإسلامية في إيران».

كانت «عاصفة الحزم» نداء وجد استجابة فورية من الدول العربية السنية على نحو خاص، بعد أن شعرت بأن حرس الثورة الإيراني ينهشها من الخلف، بعد أن قام بغزو سوريا ولبنان والعراق واليمن، كما أن الدول العربية السنية فهمت أن التغيير نحو الأسوأ في الاستراتيجية الأمريكية تجاهها معناه التضحية من قبل أوباما لصالح الحليف الإيراني القوي، ولهذا فإن عدم الثقة بالأمريكيين يزداد، ولهذا باتت فكرة القوة العربية المشتركة تلقى رواجًا يومًا تلو الآخر.. سؤال آخر لا يقل أهمية هل جاءت «عاصفة الحزم» لتمنع تقسيمًا وتشظيًا جديدين لدولة عربية لها تاريخ وحضارة قديم (اليمن) مهما كان أمر الحاضر وبؤسه وشقائه؟

في عام 2013 عرضت صحيفة «النيويورك تايمز» الأمريكية، ذائعة الصيت، خرائط تظهر عدة دول عربية، بعد أن تفتتت وتقسمت إلى أكثر من دولة، كان من بينها ليبيا، والعراق واليمن ولا شك، وفي حالة اليمن كان الغرض أن يقسم إلى قسمين مرة أخرى.. يومها قالت الصحيفة الأمريكية الشهيرة في ما يشبه التنبؤات التي تسعى لتحقيق ذاتها بذاتها والمعروفة باسم «Self prophecy»، إن ذلك يمكن أن يحدث أو سوف يحدث بعد استفتاء محتمل في المحافظات الجنوبية، كما عرضت «النيويورك تايمز» مشاهد لخريطة جديدة لليمن المفتت، تظهر حضورًا واضحًا للجمهورية الإيرانية الإسلامية التي تهدف إلى السيطرة على الخليج العربي من مضيق هرمز إلى باب المندب.

والآن وقد جرت الإرادة العربية بـ«عاصفة الحزم» ما الذي تغير في المشهد الشرق أوسطى مرة وإلى ما شاء الله.

الثابت أن خطورة المشهد في اليمن قد تمثلت في المخاوف الجدية الناجمة عن الأطماع الإيرانية فى منطقة الخليج العربى، فعلى الرغم من أن الخطاب السياسي الثوري الإيراني يحاول جاهدًا أن لا يبدو طائفيًا، بل أيديولوجيًا كالتشدق بدعم حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في فلسطين، وهما محسوبتان على التوجهات السنية، فإن واقع الحال يؤكد أن نظام الملالي يستخدم بقوة وبنفوذ «التشيع» كأداة للقوة الناعمة، ولتعبئة الشيعة وأنصارهم وأقرانهم ومريديهم في العالم العربي، لإدراك أهداف إيران الاستراتيجية من جهة، ولاستخدامهم كأدوات تهديد للمصالح الغربية من ناحية ثانية، وقد بات واضحًا أن الانفتاح الذي أظهره عديد من زعماء الزيدية تجاه السياسة الخارجية الإيرانية وممارستها للتشيع الإثنا عشرية يمنح طهران وسيلة جاهزة لتوسيع نفوذها.

هل كانت العاصفة طريقًا لوقف هذا النفوذ؟

كان لا بد من العاصفة لأسباب كثيرة، من جهة القوات المسلحة الحوثية التي قاعدتها في القطاع الحدودي مع السعودية في شمال اليمن والمدعومة من إيران، كانت تقف أمامهم بصعوبة كبيرة قبائل بدوية مسلحة بأسلحة خفيفة وبقايا الجيش اليمني المزري ومنظمات شبه سياسية أو قومية.

إضافة إلى جهودهم للسيطرة على مضائق هرمز في الخليج الفارسي التي تعطيهم القدرة على إغلاق الخليج وشل الملاحة فيه، يحاول الإيرانيون أيضًا التمركز في اليمن، وهدفهم واضح وهو السيطرة على مضائق باب المندب، وفرض حصار بحري خانق على دول الخليج وعلى الدول الواقعة على طول شواطئ البحر الأحمر، وفي مقدمتها “مصر والسعودية والسودان وإريتريا” وحتى إسرائيل، بل إن حركة الكماشة المخططة أو التي كانت بالأصح مُخططة عن طريق مندوبيها الحوثيين – مندوبى إيران – يمكنها أن تكون أكثر فاعلية من المقاطعة الضعيفة التي يفرضها الغرب على طهران، وكان من الممكن إذا حققت غايتها أن تستطيع إيران منع أى نقل بحرى مدني (بضائع ونفط) وعسكري (السلاح) من شواطئ الدول المذكورة أعلاه إلى العالم، وبهذا تستطيع إيران أن تتحول، خصوصًا إذا تسلحت بالنووى، إلى إمبراطورية إقليمية، فهى تسيطر على الأماكن المقدسة للإسلام التي في «مكة والمدينة»، وستجبى الإتاوة من كل مَن يمر بأبوابها.

«عاصفة الحزم».. فجر عربي جديد

أولًا: يمكن القطع بأنه قد أضحت هناك قدرة عربية واضحة وضوح الشمس في ضحاها والقمر إذا تلاها، على التكتل والحشد العسكرى العربيين بسرعة وفاعلية غير مسبوقة إزاء التهديدات القائمة أو القادمة، ووفق رؤية عربية جماعية، تفضل وتغلب المصلحة العليا للعرب، وتأخذ في تقديرها متغيرات الزمان وتبدلات المكان.

ثانيًا: جاءت «عاصفة الحزم» لتقيم مقارنة بين الاتكاء «العربي-العربي»، في مواجهة الملمات، والاتكال العربي على الوكيل الأجنبي الذي تمثل عادة في الولايات المتحدة الأمريكية، والفارق هنا بين استدعاء قوات التحالف الدولي لمواجهة العراق بعد غزوه للكويت وبين مواجهة الانقلاب في اليمن كبير جد، ويؤشر لحالة الاستعداد والجهوزية العربية، ويعكس بذات القدر حالة الخروج العربى من العباءة الأمريكية.

ثالثًا: أفرزت العمليات العسكرية التي قادتها المملكة العربية السعودية حقيقة مؤكدة تتمثل في نأى واشنطن عن الدخول في مغامرات عسكرية في الشرق الأوسط خلال العقود القادمة، فقد توقف الدعم الأمريكى لـ«عاصفة الحزم» عند المساعدات الاستخبارية أو اللوجيستية، ما يعنى قولًا نهاية زمن الاستعمار الأمريكي في الشرق الأوسط بالصورة التي عرفتها المنطقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

رابعًا: خلقت «عاصفة الحزم» واقعًا عربيًا جديدًا، استطاع الملك سلمان تخليقه في الفضاء الخليجي والشرق أوسطى بل والإسلامي، عماده ضخ المزيد من الحيوية في السياسة الخارجية للمملكة، الأمر الذى مكَّن من جمع الشمل العربي ومواجهة التحديات التي ظهرت على السطح دون تهوين أو تهويل، ويحسب لخادم الحرمين قدرته على جمع الأضداد إذا كان الأمر يتصل بهدف جوهري، كما التوفيق بين مصر وتركيا ضمن المعسكر السني في العاصفة.

خامسًا: أظهرت العملية نجاح طرح التكامل العربي، سياسيًا وعسكريًا، ماليًا وبشريًا، مما يعنى أن زمن «الاتحاد» الذي يقود إلى «الوحدة» ربما بات على الأبواب بالفعل، ذلك أن تعريف الأهداف، وتحديد الأولويات، هي البداية السديدة لأي استراتيجية ناجحة.

سادسًا: أظهرت طريقة وطبيعة العمليات العسكرية “أن الهدف لم يكن إنجازًا وانتصارًا عسكريًا مُشبعًا بروح الانتقام، بقدر ما كان التمهيد لتسوية سلمية حقيقية بين أطراف «عربية – عربية» متصارعة في الوطن الواحد، وبما لا يمكن من لهم مصالح لا تغيب عن أحد من عملية الاختراق للنسيج العربي، فاليمن شعب عربي شقيق، وإلحاق الضرر به لم يكن على خريطة الأهداف.

سابعًا: ارتفع في عنان السماء بعد عملية عاصفة الحزم، معنى ومبنى «فائض القوة» عربيًا وإسلاميًا، وهو أمر يجب أن يوظف مستقبلًا على النحو الصحيح، ذلك أن مشهد القوة العسكرية العربية، مضافًا إليه مساهمات باكستان، حتما سيُقرأ في عواصم بعينها في الإقليم، وسيبعث رسالة مفادها أن أي تسويات سياسية لملفات شقاقية لن يكون على حساب العرب، كما أن الانسحاب التكتيكى لواشنطن من المشهد الشرق أوسطي لن يسبب خللًا تكتونيًا في المنطقة، بل إن هناك قوى «عربية – إسلامية» قادرة على ملء الفراغ النسبي المرتقب حدوثه.

ثامنًا: أحدثت نجاحات عملية «عاصفة الحزم» مقارنات جبرية مع غارات التحالف على «داعش»، وبينت عدم وجود رغبة جدية في إنهاء ظاهرة الدولة الإسلامية، فما قامت به قوات التحالف العربي في ٤ أسابيع حقق إنجازات على الأرض أمضى وأفعل من تلك التي قادها التحالف الدولي عبر عدة أشهر، مما يخلق تساؤلات غير بريئة حول استخدام «داعش» كأداة، بأكثر من نية القضاء عليها، فالضربات المتراخية للقوات الدولية بدأت وكأنها شبيهة بعملية تحديد مناطق للنفوذ، وتقييد لحركة التنظيم وتحجيم قدراته القيادية وليس القضاء عليه.

تاسعًا: كشفت «عاصفة الحزم» عن هشاشة التقديرات الاستخبارية لطهران بنوع خاص في الإقليم، الأمر الذى سيسبب لها ولا شك خسائر استراتيجية في الأيام القادمة، أقلها ترسيخ صورة للمظلة الإيرانية العاجزة عن دعم حلفائها في الشرق الأوسط، ذلك أنه شتان الفرق بين التشدق الأجوف بالإمبراطورية الفارسية وعاصمتها بغداد، وبين اعتراف وزارة الاستخبارات والأمن القومي الإيرانية بعد بدء «عاصفة الحزم» بأيام بأنها لم تكن على علم مسبق بالعملية، عطفًا على نفوذها وسيطرتها العسكرية على منطقة الخليج في أربع وعشرين ساعة، كما اعتادت الصياح من قبل، مما يحطم مفهوم الردع الإيرانى إلى أبعد حد ومد.

عاشرًا: انتهاء عمليات «عاصفة الحزم» لا يعني أن كل الأمور من حول اليمن قد أضحت سخاءً رخاءً، بل حكمًا سيتطلب المشهد بقاء قطع عسكرية قريبة من باب المندب، فهناك دائما فترة انتظار بعد انتهاء أى عملية عسكرية، قد تطول أو تقصر بحسب النتائج السياسية المترتبة على العملية ذاتها، وحتى لا تحدث انتكاسات عسكرية مُبكرة، أو تجد الأسلحة طريقها من جديد للحوثيين.

هل يدعو المشهد العربى إلى التفاؤل؟
ربما أفضل توصيف هو «التفاؤل المأساوى» (tragic optimism)، وهو مصطلح مأخوذ من مسرحية روسية عرضت عام 1967، وفحواها أنه خلال الثورات والفورات عادة ما تحدث خسائر وتعديات، إلا أن أى مشروع مستقبلي ناجح سوف يغطى لاحقًا كُلَف خسائره، بمعنى أن التفاؤل مدفوع الثمن مقدمًا، بشكل أو بآخر من أشكال مكر التاريخ.